الجمع بين الحكم الظاهريّ والواقعيّ [القسم الثالث]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسّلام على خير خلقه وأشرف بريّته محمّد وأهل بيته الطيّبين الطّاهرين.
3
4
الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي
في ضوء تفسيرنا الجديد للأحكام الظاهريّة
(القسم الثالث)
المقدّمة:
وضّحنا في القسمين السابقين من هذا البحث الحلول الثلاثة المعقولة للشبهات المحيطة بالأحكام الظاهريّة في ضوء تفسيرنا الجديد لها، كما وضحنا الحلول التي قدّمها الأصحاب لتلك الشبهات بناءً على تفسيرهم لتلك الأحكام، مع ما فيها من مناقشات تدلّ على عدم صلاحيّة شيء منها لحلّ تلك الشبهات سواء على مبانيهم في تفسير الأحكام الظاهريّة أو على مبنانا الجديد في تفسيرها، كما وضّحنا أيضاً وجه الحلّ الذي قدّمه اُستاذنا الشهيد رحمه الله لتلك الشبهات بناءً على القول بالسببيّة في الدورة الاُولى لبحثه ـ وذلك بتعديل نظريّة المصلحة السلوكيّة للشيخ الأنصاري رحمه الله ـ ثمّ رفع يده عنه في الدورة الثانية على أساس ما انتبه إليه من وجود ثغرة علميّة فيه.
بقي علينا توضيح وجه الحلّ الرئيسيّ الذي قدّمه اُستاذنا الشهيد رحمه الله لتلك
5
الشبهات بناءً على القول بالطريقيّة والذي اشتهر بنظريّة التزاحم الحفظيّ، وهذا ما نريد استعراضه في هذا القسم من بحثنا مع ما لنا من ملاحظات عليه لننتهي إلى حصر الحلول المعقولة لتلك الشبهات بالوجوه الثلاثة التي ذكرناها نحن لحلّها بناءً على تفسيرنا الجديد للأحكام الظاهريّة، فنقول:
6
نظريّة التزاحم الحفظيّ لاُستاذنا الشهيد رحمه الله
أمّا وجه الحلّ الذي قدّمه رحمه الله للشبهات المحيطة بالأحكام الظاهريّة فهو الوجه الذي اشتهر بنظريّة التزاحم الحفظيّ، ولا يخفى أنّ هذا الوجه قدّمه رحمه الله لحلّ جميع الشبهات المحيطة بالأحكام الظاهريّة بناءً على القول بالطريقيّة سواء ما كان منها على أساس حكم العقل النظريّ ـ كشبهة التضادّ ـ أو ما كان منها على أساس حكم العقل العمليّ كشبهة إلقاء الناس في المفسدة.
وقد أقام رحمه الله هذا الوجه على ثلاث مقدّمات:
توسّع دائرة التحرّك نحو الغرض: المقدّمة الأولى: أنه لو لم يتمّ تشخيص متعلّق الغرض ـ سواء في الأغراض التكوينيّة أو في الأغراض التشريعيّة ـ فدار الأمر فيه بين شيئين أو عدّة أشياء، فسوف لا تتوسّع بذلك دائرة الغرض، وإنّما تتوسّع دائرة التحرّك نحو تحصيل متعلّق ذلك الغرض، فمثلاً لو دار الأمر لدى العطشان بين عدّة أواني وهو يعلم بأنّ الماء موجود في أحدها فسيتحرّك نحو تحصيلها جميعاً حتّى يحصل على الماء المطلوب، وهذا لا يعني توسّع دائرة غرضه، وإنّما يعني توسّع دائرة تحرّكه نحو تحصيل متعلّق غرضه رغم كون غرضه متعلّقاً بذلك الفرد الواقعيّ خاصّة، ضرورة أنّه لا يحبّ كلّ هذه الأواني وإنّما يحبّ ذلك الإناء
7
الذي فيه الماء فحسب، وبالرغم من ذلك يتحرّك نحو تحصيلها جميعاً كي يحصل على الفرد المطلوب، وهذا ما يتمّ أيضاً في الأغراض التشريعيّة، إذ أنّنا نجد أنّ الآمر إذا أراد الأمر بتحصيل متعلّق غرضه التشريعيّ ودار متعلّق غرضه بين عدّة أشياء فسيأمر بتحصيلها جميعاً لا لأنّ غرضه التشريعيّ قد توسّع، بل لأنّ تحرّكه التشريعيّ لتحصيل ذلك قد توسّع، كما كان كذلك في غرضه التكوينيّ الشخصيّ لنفسه.
والحاصل: أنّ عدم تشخيص متعلّق الغرض لا يوسّع دائرة الغرض وإنّما يوسّع دائرة التحرّك نحو تحصيل متعلّق الغرض، سواء كان الغرض تكوينيّاً يريد التحرّك نحوه بنفسه، أو كان تشريعيّاً يريد تحريك الآخر نحو تحصيله.
ثلاثة أنواع من التزاحم:
المقدّمة الثانية: أنّه كما قد يحصل التزاحم بين غرضين في متعلّق واحد، كما إذا كانت هناك مصلحة ومفسدة في فعل واحد، وقد يحصل التزاحم بين غرضين في متعلّقين، كما إذا كانت هناك مصلحة في فعل وكانت مصلحة اُخرى في فعل آخر وكان المكلّف عاجزاً عن أداء كلا الفعلين، كذلك قد يحصل التزاحم بين سعة التحرّك التي يدعو إليها عدم تشخيص غرضٍ من الأغراض، وبين سعة التحرّك التي يدعو إليها عدم تشخيص غرضٍ آخر.
8
مثال ذلك في باب الأغراض الشخصيّة التكوينيّة: ما إذا تعلّق غرض الإنسان بتناول الطعام المشتمل على فيتامين (سي) وتردّد ذلك عنده بين أطعمةٍ عديدة، وتعلّق غرضه أيضاً بتناول الطعام المشتمل على فيتامين (بي) وتردّد ذلك عنده بين أطعمةٍ عديدةٍ اُخرى، وعجز عن الجمع بين بعض الأطعمة التي تردّد فيها وجود فيتامين (سي) وبين بعض الأطعمة التي تردّد فيها وجود فيتامين (بي) وهو يعلم أنّ الطعام الذي يشتمل على فيتامين (سي) في الواقع قابل للاجتماع مع الطعام الذي يشتمل على فيتامين (بي)، وإنّما حصل العجز له في الجمع بين جملةٍ ممّا تردّد فيها وجود فيتامين (سي)، وجملةٍ ممّا تردّد فيها وجود فيتامين (بي)، ففي مثل ذلك لم يقع التزاحم عنده بين غرضين في متعلّق واحد، ولا بين غرضين في متعلّقين، وإنّما حصل له التزاحم بين توسعة التحرّك التي يدعو إليها عدم تشخيص الطعام المشتمل على فيتامين (سي) و بين توسعة التحرّك التي يدعو إليها عدم تشخيص الطعام المشتمل على فيتامين (بي).
ويمكن تعميم فكرة توسعة الحركة نحو متعلّق الغرض عند عدم تشخيصه، بنحوٍ يشمل غرض الاجتناب عن شيءٍ مع عدم تشخيص متعلّق ذلك، كما إذا علم بوجود مادّة مضرّة بصحّته في واحدٍ من تلك الأطعمة وهو لا يشخّص ذلك، فإنّ عدم تشخيص ذلك يدعوه إلى الاجتناب عن كلّ تلك الأطعمة، وهذا يعني أنّ المراد بتوسّع الحركة عند عدم التشخيص يعمّ توسّع
9
الإقدام على الفعل عند عدم تشخيص متعلّق المصلحة وتوسّع الاجتناب عن الفعل عند عدم تشخيص متعلّق المفسدة.
وبهذا اللحاظ يمكن أن نمثّل لهذا النحو الثالث من التزاحم بمثال أوضح، وهو ما إذا كان له غرض تناول الطعام المشتمل على فيتامينٍ خاصّ، وكان له أيضاً غرض الاجتناب عن الطعام المشتمل على مادّةٍ مضرّةٍ خاصّة، ومتعلّق كلا الغرضين تردّد أمره بين عدّة أشياء من مجموعة واحدة لا من مجموعتين كما في المثال السابق، ففي مثل ذلك سيكون عدم تشخيص متعلّق المصلحة داعياً إلى الإقدام نحو فعل كلّ تلك المجموعة، وعدم تشخيص متعلّق المفسدة داعياً إلى الاجتناب عن كلّ تلك المجموعة، وهو غير قادر على فعلها بتمامها وتركها بتمامها بالضرورة، وإن كان قادراً على فعل خصوص ما فيه المصلحة في الواقع، وترك خصوص ما فيه المفسدة في الواقع.
ومثال ذلك في باب الأغراض التشريعيّة، ما إذا أراد أن يأمر غيره بفعل ما تعلّقت به مصلحة خاصّة، وقد تردّد ذلك بين عدّة أشياء ولم يمكن تشخيصه منها، وأراد أيضاً أن ينهاه عمّا تعلّقت به مفسدة خاصّة، وتردّد أيضاً بين نفس تلك الأشياء ولم يمكن تشخيصه أيضاً منها، فإنّ عدم تشخيص متعلّق المصلحة يدعوه إلى توسعة الأمر بتمام تلك الأشياء، وعدم تشخيص متعلّق المفسدة يدعوه إلى توسعة النهي عن تمام تلك الأشياء، فيقع التزاحم بين توسعة التحرّك
10
التشريعيّ نحو متعلّق المصلحة، وتوسعة الاجتناب التشريعيّ عن متعلّق المفسدة.
وهذا النحو من التزاحم يختلف جذريّاً عن النحوين الأوّلين الذين أشرنا إليهما في بداية هذه المقدّمة الثانية، فإنّ النحو الأوّل كان يقع التزاحم فيه بين غرضين في متعلّق واحد، ويسمّى ذلك بالتزاحم الملاكي، أو التزاحم في عالم الملاك، والنحو الثاني كان يقع التزاحم فيه بين غرضين في متعلّقين بسبب ضيق قدرة المكلّف عن امتثالهما معاً، ويسمّى ذلك بالتزاحم الامتثاليّ، أو التزاحم في عالم الامتثال، وأمّا هذا النحو الثالث من التزاحم الذي نبّه عليه اُستاذنا الشهيد رحمه الله في هذه المقدّمة الثانية فهو لا يقع بين ذات الغرضين، لا في متعلّق واحد ولا في متعلّقين، وإنّما يقع بين توسّع الحركة نحو متعلّق أحد الغرضين لضمان حفظه إمّا تكويناً أو تشريعاً، وبين توسّع الحركة نحو متعلّق الغرض الآخر لضمان حفظه أيضاً تكويناً أو تشريعاً. وقد عبّر اُستاذنا الشهيد رحمه الله عن هذا النحو الثالث من التزاحم بالتزاحم الحفظيّ، أو التزاحم في مقام الحفظ التكوينيّ أو التشريعيّ لغرضين.
وقد كان المحقّق الخراسانيّ رحمه الله يركّز كثيراً على النحو الأوّل من أنحاء التزاحم أعني التزاحم الملاكيّ، كما أنّ المحقّق النائينيّ رحمه الله كان يركّز كثيراً على النحو الثاني منها أعني التزاحم الامتثالي، وركّز اُستاذنا الشهيد رحمه الله في هذا البحث على النحو الثالث منها أعني التزاحم الحفظيّ.
11
وربّما كان يعبّر اُستاذنا الشهيد رحمه الله عن التزاحم الملاكيّ بالتزاحم الآخونديّ، وعن التزاحم الامتثاليّ بالتزاحم النائينيّ، تغمّدهم الله جميعاً برحمته الواسعة.
ولا يخفى أنّ قبول استقلاليّة التزاحم الحفظيّ في مقابل النحوين الأوّلين من التزاحم يبتني على قبول ما أورده اُستاذنا الشهيد رحمه الله في المقدّمة الأولى من هذه المقدّمات، من كون الغرض لا يتّسع بنفسه عند عدم تشخيص متعلّقه، وإنّما يتّسع التحرّك نحو حفظ الغرض. وأمّا إذا لم نقبل بذلك وقلنا بأنّ عدم تشخيص متعلّق الغرض يوجب توسعة نفس الغرض، فسيكون التزاحم بين بعض ما توسّع به أحد الغرضين وبين بعض ما توسّع به الغرض الآخر نوعاً من التزاحم الامتثاليّ فيما إذا كان كلّ من الطرفين يستدعي الامتثال، لأنّه تزاحمٌ بين امتثال عددٍ من الأغراض تستدعي الامتثال بنفسها، وبين امتثال عددٍ آخر من الأغراض تستدعي الامتثال بنفسها أيضاً، لا بين مجرّد التحرّك نحو حفظ غرضٍ والتحرّك نحو حفظ غرضٍ آخر من دون وجود تزاحمٍ بين ذات الغرضين، كما يدّعيه اُستاذنا الشهيد رحمه الله في التزاحم الحفظيّ.
المباحات الاقتضائيّة في التزاحم الحفظي:
المقدّمة الثالثة: أنّ المباحات إذا كانت اقتضائيّة ـ أي كانت ناشئةً من وجود ملاكٍ في حرّيّة العبد وعدم إلزامه لا بالفعل ولا بالترك ـ فمن الممكن وقوعها طرفاً للتزاحم الحفظيّ، وإن كان لا يمكن وقوعها طرفاً للتزاحم الامتثاليّ.
12
توضيح ذلك: أنّ المباحات لا يمكن أن تقع طرفاً للتزاحم الامتثاليّ، سواء كانت اقتضائيّةً أو لا اقتضائيّة، وذلك لأنّ التزاحم الامتثاليّ إنّما يقع بين طرفين كلّ منهما يستدعي الامتثال وتضيق قدرة المكلّف عن امتثالهما معاً، والإباحة لا تستدعي امتثالاً أصلاً حتّى وإن كانت اقتضائيّةً، ناهيك عمّا إذا كانت غير اقتضائيّة، وهذا يعني عدم إمكان وقوع التزاحم في عالم الامتثال بين حكم إلزاميّ وحكم ترخيصيّ، حتّى وإن كان الحكم الترخيصيّ مشتملاً على ملاك الحرّيّة وإطلاق عنان المكلّف.
وهذا بخلاف التزاحم الحفظيّ الذي ليس التزاحم فيه بحسب عالم الامتثال، بل بحسب عالم التحرّك نحو الحفظ التشريعيّ للملاك المطلوب للمولى، فإذا كانت الإباحة مشتملةً على ملاكٍ مطلوب للمولى حتّى وإن لم يستدع شيئاً من الامتثال في الخارج، كفى ذلك لوقوعها طرفاً لذلك التزاحم.
ومثال ذلك: ما إذا كان للمولى ملاك إلزاميّ ولم يمكن تشخيص متعلّقه من بين أفعالٍ عديدة، وكان له أيضاً ملاك إطلاق العنان لعبده ولم يمكن تشخيص متعلّقه أيضاً من بين تلك الأفعال، فاختلط الفعل الواجب أو الحرام مع الفعل المباح بالإباحة الاقتضائيّة بين تلك الأفعال العديدة، فسيكون عدم تشخيص متعلّق الملاك الإلزاميّ داعياً إلى تعميم الإلزام لتمام تلك الأفعال لضمان حفظه في مقام التشريع، ويكون عدم تشخيص متعلّق الملاك الاقتضائيّ
13
للإباحة داعياً إلى تعميم الإباحة لتمام تلك الأفعال أيضاً لضمان حفظه في مقام التشريع، فيقع التزاحم الحفظيّ بينهما حتّى وإن كان الأوّل مستدعياً للامتثال، والثاني غير مستدعٍ للامتثال بحسب العالم الخارجيّ لمتعلّق الحكمين.
وبهذا يظهر أنّ من خواصّ التزاحم الحفظيّ الذي يتميّز به عن التزاحم الامتثاليّ أنّه صالح لوقوع الإباحة الاقتضائيّة طرفاً له بخلاف التزاحم الامتثاليّ.
هذه هي المقدّمة الثالثة من المقدّمات الثلاث التي وضعها اُستاذنا الشهيد رحمه الله للوجه الذي اختاره لحلّ الشبهات المحيطة بالأحكام الظاهريّة، والآن حان وقت توضيح ذلك الوجه في ضوء هذه المقدمات الثلاث، فنقول:
الأحكام الظاهرية تعالج التزاحم الحفظي:
إنّ اُستاذنا الشهيد رحمه الله بنى على أنّ الأحكام الظاهريّة الشرعيّة كلّها إنما جعلها الشارع تبارك وتعالى لأجل علاج التزاحم الحفظيّ الذي وقع بين ملاكات الأحكام الشرعيّة الواقعيّة عند الشكّ فيها، فكلّ حكمٍ ظاهريّ ـ سواء في مجال الأمارات أو في مجال الاُصول العمليّة ـ نجده يعالج التزاحم الحفظيّ في دائرةٍ من دوائر الشكّ في الحكم الواقعيّ.
فمثلاً نجد أنّ حجّيّة خبر الثقة جائت من قبل الشارع تبارك وتعالى لعلاج التزاحم الحفظيّ الواقع في دائرة الأحكام الواقعيّة التي جاء فيها خبر الثقة واختلطت فيها الملاكات الواقعيّة التي يطابقها خبر الثقة بالملاكات
14
الواقعيّة التي يخالفها خبر الثقة، ولو لاحتمال الكذب شذوذاً في خبر الثقة أو احتمال الخطأ فيه، فإنّ عدم تشخيص الملاكات التي يطابقها خبر الثقة يدعو المولى إلى تعميم الحكم بالعمل بخبر الثقة في تمام الدائرة التي اختلط فيها النوعان المذكوران من الملاكات الواقعيّة، لأجل ضمان الحفظ التشريعيّ للنوع الأوّل من تلك الملاكات، وإن كان يؤدّي ذلك إلى التضحية بالنوع الثاني من تلك الملاكات المختلطة.
ولمّا رأى المولى تبارك وتعالى أنّ النوع الأوّل من تلك الملاكات أولى بالحفظ التشريعيّ من النوع الثاني منها، جعل الحجّيّة لخبر الثقة في تمام دائرة الشك متحمّلاً بذلك خسارة النوع الثاني من الملاكات، وبذلك عالج التزاحم الحفظيّ بين النوعين المذكورين من الملاكات الواقعيّة في تلك الدائرة من الشكّ.
مثال آخر: نجد أنّ أصالة البراءة الشرعيّة جاءت من قبل الشارع تبارك وتعالى لعلاج التزاحم الحفظيّ الواقع في دائرة الأحكام الواقعيّة التي يقع فيها الشكّ للمكلّفين ويختلط فيها الملاكات الإلزاميّة بالملاكات الترخيصيّة الموجودة في المباحات الاقتضائيّة ـ في غير النفوس والأعراض، وغير موارد الاستصحاب، وغير موارد خبر الثقة، ونحو ذلك من شرائط جريان البراءة الشرعيّة ـ فإنّ عدم تشخيص ملاكات الأحكام الإلزاميّة في تلك الدائرة يدعو المولى إلى تعميم الحكم الإلزاميّ في تمام تلك الدائرة، لأجل ضمان الحفظ
15
التشريعيّ لهذا النوع من الملاكات، وإن كان يؤدّي ذلك إلى التضحية بالنوع الثاني منها. وعدم تشخيص ملاكات الأحكام الترخيصيّة في المباحات الاقتضائيّة يدعو المولى إلى تعميم الأحكام الترخيصيّة في تمام تلك الدائرة، لأجل ضمان الحفظ التشريعيّ لهذا النوع الثاني من الملاكات، وإن كان يؤدّي ذلك إلى التضحية بالنوع الأوّل منها.
ولمّا رأى المولى تبارك وتعالى أنّ النوع الثاني من هذه الملاكات المختلطة أولى بالحفظ التشريعيّ من النوع الأوّل منها جعل البراءة الشرعيّة في تمام تلك الدائرة من الشكّ متحمّلاً بذلك خسارة النوع الأوّل من الملاكات، وبذلك عالج التزاحم الحفظيّ بين النوعين المذكورين من الملاكات الواقعيّة في تلك الدائرة.
وقد قلنا في المقدّمة الثالثة: إنّ الإباحة الاقتضائيّة صالحة للوقوع طرفاً للتزاحم الحفظيّ وإن لم تكن صالحة للوقوع طرفاً للتزاحم الامتثالي.
والأحكام الظاهريّة الاُخرى ـ كحجّيّة الاستصحاب، وأصالة الطهارة، وأصالة الحلّ، وقاعدة اليد، وغير ذلك، سواء في مجال الأمارات أو في مجال الاُصول العمليّة ـ يمكن تفسيرها أيضاً بمثل ما ذكرناه في هذين المثالين، من كونها قد شرّعت من قبل المولى تبارك وتعالى لعلاج التزاحم الحفظيّ في دائرةٍ من دوائر الشكّ التي يبتلي بها المكلّفون.
16
التزاحم الحفظي لا يوجب سقوط الحكم الواقعي:
ومن الملحوظ أنّ علاج التزاحم الحفظيّ بالنحو الذي وضّحناه في موارد الأحكام الظاهريّة لا يؤدّي إلى تغيير الحكم الواقعيّ على طبق ما يتمّ ترجيحه بالعلاج الذي يختاره المولى، وذلك لما قلناه في المقدّمة الاُولى من أنّ عدم تشخيص متعلّق الأغراض لا يؤدّي إلى توسعة نفس الغرض، حتّى يقال بأنّ مبادئ الحكم الواقعيّ قد تغيّرت على أساس كون الغرض ـ من الحبّ والبغض ـ جزءاً من مبادئ الأحكام الواقعيّة، وإنّما يؤدّي ذلك ـ أعني عدم تشخيص متعلّق الأغراض ـ إلى توسعة التحرّك التكوينيّ أو التشريعيّ نحو تحصيل ما تعلّق به الغرض، وهذا يعني أنّ مبادئ الأحكام الواقعيّة لا تتغيّر عند مجيء الأحكام الظاهريّة، فلا موجب لسقوط الحكم الواقعيّ أو تغيّره عند مجيء الحكم الظاهريّ على خلافه، فيجتمع الحكم الواقعيّ مع الحكم الظاهريّ حتى وإن كانا متغايرين، وهذا ما يناسب رأي مشهور المتأخّرين بما فيهم اُستاذنا الشهيد رحمه الله.
وهذا بخلاف ما إذا اعتبرنا التزاحم بين ملاكات الأحكام الواقعيّة من نوع التزاحم الامتثاليّ، فإنّه يؤدّي إلى سقوط أحد المتزاحمين عند ترجيح الآخر عليه، كما هو شأن التزاحم الامتثاليّ دائماً.
17
حلّ الشبهات المحيطة بالأحكام الظاهريّة:
وبهذه النظريّة استطاع اُستاذنا الشهيد رحمه الله أن يتغلّب ـ في رأيه ـ على جميع الشبهات المحيطة بالأحكام الظاهريّة ، بما فيها شبهة (التضادّ بين الحكم الواقعيّ والحكم الظاهريّ) الناشئة من إدراك العقل النظريّ، وشبهة (إيقاع المكلّف في المفسدة أو حرمانه من المصلحة) الناشئة من إدراك العقل العمليّ.
أمّا حلّه للشبهات الناشئة من إدراك العقل النظريّ، فبأنّ هذه الشبهات تبتني على وجود مبادئ للحكم الظاهريّ تختلف عن مبادئ الحكم الواقعيّ، في حين قد ظهر ممّا ذكرناه أنّ الحكم الظاهريّ ليس له مبادئ مستقلّة عن مبادئ الحكم الواقعيّ، وإنّما يجعله الشارع تبارك وتعالى لأجل الحفظ التشريعيّ لما هو الأهمّ من ملاكات الأحكام الواقعيّة عند وقوع التزاحم الحفظيّ فيما بينها.
وأمّا حلّه للشبهات الناشئة من إدراك العقل العمليّ فبأنّ العقل العمليّ لا يستقبح رفع اليد عن المهمّ في سبيل ضمان حفظ الأهمّ وإن أدّى ذلك إلى إيقاع المكلّف في المفسدة في سبيل حفظ المصلحة الأهمّ له، إلى غير ذلك ممّا يرتبط بإدراك العقل العمليّ.
ويمكن أن نعتبر هذه النظريّة من أهمّ إبداعات اُستاذنا الشهيد رحمه الله في علم الاُصول، ولابدّ من تثمينها والوقوف إجلالاً لها ولمبدعها تغمّده الله تعالى برحمته الواسعة.
18
وبالرغم من ذلك كلّه توجد لنا بعض الملاحظات المتواضعة على هذه النظريّة لابدّ من عرضها حفاظاً على الأمانة العلميّة في هذا البحث.
19
ملاحظات في نظريّة التزاحم الحفظيّ
يمكن عرض ما لدينا من كلام تجاه نظريّة التزاحم الحفظيّ ضمن ثلاث ملاحظات:
عدم انحصار تفسير الأحكام الظاهريّة بالتزاحم الحفظي:
الملاحظة الاُولى: أنّ اُستاذنا الشهيد رحمه الله بنى على أنّ جميع الأحكام الظاهريّة الشرعيّة إنّما جلعت من قبل الشارع تبارك وتعالى لأجل علاج التزاحم الحفظيّ وترجيح بعض الملاكات الواقعيّة المختلطة على بعضٍ في مقام الحفظ التشريعيّ كما وضّحنا ذلك بالتفصيل، وهذا يعني نفي جميع التفاسير الاُخرى لحقيقة الأحكام الظاهريّة كلّها عدى هذا التفسير، ولم نجد منه دليلاً واضحاً على هذه الدعوى، والظاهر أنّه لا يملك دليلاً على ذلك سوى انحصار التفسير المعقول عنده للأحكام الظاهريّة بهذا التفسير، فإنّه بعد أن أبطل جميع الوجوه التي أشار إليها الأصحاب في دفع الشبهات المحيطة بالأحكام الظاهريّة، سواء ما كان منها ناشئاً من إدراك العقل النظريّ، وما كان ناشئاً من إدراك العقل العمليّ، وسواءً على مسلك مبنى السببيّة في الأحكام الظاهريّة أو على مسلك مبنى الطريقيّة فيها ـ وحتّى نظريّة (المصحلة السلوكيّة) التي قبل بها بناءً على مبنى السببيّة بعد التعديل الذي أدخله فيها في الدورة الاُولى من بحثه،
20
قد رفع اليد عنها في الدورة الثانية من بحثه، لالتفاته إلى وجود ثغرةٍ فيها حتّى بعد ذلك التعديل، كما وضّحنا ذلك في الأجزاء السابقة لهذا البحث ـ لم يجد طريقاً للتخلّص من الشبهات المحيطة بالأحكام الظاهريّة من دون التورّط في محاذير اُخرى، كمحذور مخالفة قاعدة (اشتراك الأحكام الواقعيّة بين العالم والجاهل) التي هو ملتزم بها، وكمحذور (التورّط في القول بالتصويب) الذي هو ملتزم ببطلانه، إلّا باللجوء إلى تفسير الأحكام الظاهريّة كلّها بنظريّة التزاحم الحفظيّ التي شرحناها بالتفصيل، وهذا يعني أنّه رحمه الله ليس له دليل على هذا الرأي سوى انحصار الطريق أمامه بذلك.
فإذا وجدنا طريقاً آخر للتخلّص من الشبهات المحيطة بالأحكام الظاهريّة واستطعنا التخلّص أيضاً من مشكلة (اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل) ومن مشكلة (التصويب) بوجهٍ من الوجوه، أمكن رفع اليد عن نظريّة التزاحم الحفظيّ التي لجأ إليها اُستاذنا الشهيد رحمه الله بسبب انحصار الطريق بها أمامه.
وقد وجدنا نحن بالفعل حلولاً ثلاثة اُخرى للتخلّص من الشبهات المحيطة بالأحكام الظاهريّة في ضوء ما ذهبنا إليه من تفسير ما يسمّيها الأصحاب بالأحكام الظاهريّة بأنّها في الحقيقة نوع من أنواع الأحكام الواقعيّة الثانويّة، وحالها حال الأحكام الثانويّة الثابتة عند الاضطرار أو الإكراه أو غير
21
ذلك من العناوين الثانويّة، ولأجل ذلك بحثنا الفرق بين الأحكام الأوّليّة والثانويّة بالتفصيل لمعرفة حقيقة الحكام الثانويّة وإمكان تطبيقها على ما يسمّى بالأحكام الظاهريّة، وخصّصنا لذلك جزءاً من الأجزاء السابقة لهذا البحث تحت عنوان (الحكم الأوّليّ والثانويّ) وعرضنا تلك الحلول الثلاثة في القسم الأوّل لهذا البحث تحت عنوان (الجمع بين الحكم الظاهريّ والواقعيّ في ضوء تفسيرنا الجديد للأحكام الظاهريّة).
كما تخلّصنا من مشكلة قاعدة (اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل) بإنكار هذه القاعدة من الأساس بعد إبطال جميع أدلّتها، وخصّصنا لذلك أيضاً جزءاً خاصّاً من الأجزاء السابقة لهذا البحث تحت عنوان (اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل).
وتخلّصنا أيضاً من مشكلة (التصويب) بقبول ما لا ينبغي تسميته بالتصويب من تفسير خفيف للتصويب المعتزليّ بعد رفض التصويب الأشعريّ ورفض التفسير الآخر للتصويب المعتزلي، وخصّصنا لذلك أيضاً جزأين من الأجزاء السابقة لهذا البحث تحت عنوان (التخطئة والتصويب).
وعلى هذا الأساس لا نجد دليلاً مقنعاً على ما ذهب إليه اُستاذنا الشهيد رحمه الله من تفسير الأحكام الظاهريّة كلّها وفقاً لنظريّة التزاحم الحفظيّ بالنحو الذي شرحناه رغم إبداعه الكبير في هذه النظريّة كما ذكرنا.
22
ولا يمكن إيراد مثل هذا الاعتراض علينا نحن فيما ذهبنا إليه من تفسير ما يسمّى بالأحكام الظاهريّة بأنّها نوع من الأحكام الواقعيّة الثانويّة، وحالها كحال الأحكام الثابتة عند الاضطرار والإكراه، من حيث تبدّل الحكم الأوّليّ بالحكم الثانويّ عند مجيء العناوين الثانويّة، وذلك لأنّنا لم نكتف بهذه النظريّة كنظريّةٍ معقولةٍ فحسب، بل تمسّكنا بما استظهرناه من أدلّة حجّيّة الأمارات والاُصول، من أنّ الشارع تبارك وتعالى قد جعل لها الحجّيّة الواقعيّة التي يمكن أن نقيّد بها أدلّة الأحكام الأوّليّة، ووضّحنا ذلك في نماذج مهمّة من أدلّة حجّيّة الأمارات والاُصول العمليّة، كأدلّة حجّيّة خبر الثقة، وبعض أدلّة البرائة الشرعيّة، ممّا يمكن قياس باقي أدلّة الحجج والاُصول الشرعيّة عليها ـ وقد عرضنا ذلك في بحثنا التفصيليّ عن التخطئة والتصويب ـ وانتهينا إلى أنّ الحكم الواقعيّ الأوّلي يزول عند مجيء أمارةٍ أو أصل على خلافه، كما في مثل الحكم الاضطراريّ والإكراهيّ وأشباههما، إذاً فليس اختيارنا لما اخترناه في تفسير الأحكام الظاهريّة جزافاً، أو تأثّراً بانحصار حلّ الشبهات عندنا بذلك، كما حصل لاُستاذنا الشهيد رحمه الله، وإنّما تمّ اختيارنا لما اخترناه من خلال الاستظهار الذي ذكرناه من أدلّة حجّيّة الأمارات والاُصول.
23
قياس الإرادة الإلهية بالإرادات البشريّة:
الملاحظة الثانية: أنّ الأغراض الشرعيّة التي يتكلّم عنها اُستاذنا الشهيد رحمه الله في نظريّة التزاحم الحفظي، ويقول عنها: إنّ تلك الأغراض لا تتّسع هي بنفسها عند عدم تشخيص متعلّقاتها، وإنّما يتّسع التحرّك التشريعيّ نحو متعلّقاتها، فلا يقع التزاحم بين نفس تلك الأغراض، وإنّما يقع بين التحرّك التشريعيّ نحو متعلّقات بعض تلك الأغراض، والتحرّك التشريعي نحو متعلّقات البعض الآخر.. هذه الأغراض إنّما يقصد بها الحبّ والبغض اللذين يعبّر عنهما بالإرادة، وهي التي تُعدّ عنصراً من عناصر مبادئ الأحكام الشرعيّة عند اُستاذنا الشهيد رحمه الله، وهذا يعني أنّ نظريّة التزاحم الحفظيّ لاُستاذنا الشهيد تبتني على قبول كون إرادة الشارع ـ بمعنى حبّه وبغضه ـ داخلةً في مبادئ الأحكام الشرعيّة.
وحينئذٍ يمكن أن نتسائل: من قال لكم بأنّ الإرادة الإلهيّة حالها كحال الإرادة البشريّة من حيث ما يدّعيه اُستاذنا الشهيد رحمه الله من كونها لا تتّسع بنفسها عند عدم تشخيص متعلّقاتها، وإنّما الذي يتّسع عبارة عن التحرّك التشريعيّ نحو متعلّقاته، على فرض التسليم بأصل هذه الدعوى في الإرادة البشريّة؟ وهل يصحّ قياس الإرادة الإلهيّة في خواصّها وأبعادها بالإرادة البشريّة؟
وقد قلنا كراراً في أبحاثنا القديمة: إنّنا لا نعرف من إرادة المولى تبارك
24
وتعالى وحبّه وبغضه سوى ثلاثة اُمور:
الأوّل: وجود نوع من الحبّ والبغض لله تبارك وتعالى، لوجود إشاراتٍ واضحة إلى ذلك في القرآن الكريم.
والثاني: أنّ الحبّ الإلهيّ وبغضه ليس من نوع حبّنا وبغضنا، بل هو من نوع آخر وماهيّةٍ اُخرى تختلف تماماً عن ماهيّة الحبّ والبغض عند البشر، لأنّ الحبّ والبغض البشريّين عبارة عن انفعالات نفسيّة معيّنة تطرأ على البشر، وهذا ما لا يناسب شأن الله تبارك وتعالى، فهو أجلّ وأعلى من أن يبتلي بانفعالات نفسيّة من قبيل ما يبتلي به البشر، إذن فلابدّ وأن يكون حبّ الله تعالى وبغضه من نوع آخر، ونحن لا نعرف حقيقته وأبعاده.
والثالث: أنّنا على يقين من وجود جملة من آثار الحبّ والبغض على وجه الإجمال بشأن الله تبارك وتعالى، من قبيل ما يترتّب على أعمالنا الخيّرة من القرب والمنزلة عند الله تبارك وتعالى، سواء في الدنيا أو في الآخرة، وما يترتّب على أعمالنا السيّئة من البعد عن رحمة الله تبارك وتعالى وطرده لنا عن نفسه سواء في الدنيا أو في الآخرة، وما شابه ذلك. ونحن لا ندري أنّ حبّ الله تبارك وتعالى وبغضه هل هما عين هذه الآثار، أو أنّ له نوع من الحبّ والبغض يترتّب عليهما هذه الآثار.
ونحن لا نعرف شيئاً عن إرادة الله تبارك وتعالى وحبّه وبغضه أكثر من
25
هذه الاُمور الثلاثة، وعليه فلا يمكن أن نقيس إرادة الله تبارك وتعالى على إرادتنا نحن في شيء من خصائصها وأبعادها.
ولهذا كنّا نقول في بحث مقدّمة الواجب وفي بحث الضدّ وغير ذلك من الأبحاث: إنّه لا يمكن القول بالتلازم بين إرادة الله تعالى لشيء وإرادة مقدّمته قياساً له بإرادة البشر، ولا يمكن القول بالتلازم بين حبّ الله تعالى لشيء وبغضه لضدّه الخاصّ أو ضدّه العامّ قياساً له بحبّ البشر وبغضه، إلى غير ذلك من الخصائص والشؤون الراجعة إلى عالم الإرادة.
ومن جملة تلك الخصائص والشؤون التي لا يمكن أن نقيس فيها إرادة الله تعالى بإرادة البشر ما قاله اُستاذنا الشهيد رحمه الله في نظريّة التزاحم الحفظيّ من كون غرضه ـ أي إرادته وحبّه وبغضه ـ لا يتّسع عند عدم تشخيص متعلّقه، وإنّما الذي يتّسع عبارة عن تحرّكه التشريعيّ نحو تحصيل متعلّقات أغراضه.
اتّساع الغرض بنفسه عند عدم تشخيص متعلّقه:
الملاحظة الثالثة: أنّنا لو سلّمنا بإمكان قياس الإرادة الإلهيّة بالإرادة البشريّة في تمام أبعادها وتفاصيلها، ورفعنا اليد عن ملاحظتنا السابقة من الناحية الكبرويّة، تبقى لدينا مناقشة صغرويّة بلحاظ ما ادّعاه اُستاذنا الشهيد رحمه الله من وجود خصوصيّة خاصّة في عالم الإرادة تبتني عليها نظريّة التزاحم الحفظيّ، فهل أنّ هذه الخصوصيّة ثابتة حقّاً في الإرادة البشريّة حتّى نقيس عليها
26
الإرادة الإلهيّة ونبني عليها نظريّة التزاحم الحفظيّ، أو أنّها غير ثابتة في الإرادة البشريّة، وبالتالي لا يمكن إثباتها في الإرادة الإلهيّة، وبالتالي تنهار نظريّة التزاحم الحفظيّ من أساسها؟
وبهذا الصدد نقول: إنّ تلك الخصوصيّة الخاصّة غير ثابتة عندنا في الإرادة البشريّة حتّى نقيس عليها الإرادة الإلهيّة، بل يمكن دعوى ثبوت نفيها وعدم صحّتها في عالم الإرادة التي نحن ندركها بالإحساس الفطريّ الوجدانيّ.
ونقصد بتلك الخصوصيّة الخاصّة ما نقلناه عن اُستاذنا الشهيد رحمه الله من أنّ الغرض ـ بمعنى الإرادة والحبّ والبغض ـ لا يتّسع بنفسه عند عدم تشخيص متعلّقه، وإنّما الذي يتّسع عبارة عن التحرّك التكوينيّ أو التشريعيّ نحو تحصيل متعلّق الغرض، وقد جاء ذلك في المقدّمة الاُولى من المقدّمات الثلاث التي بنى عليها اُستاذنا الشهيد رحمه الله نظريّة التزاحم الحفظي.
ونحن نقول: إنّ الغرض ـ بمعنى الإرادة والحبّ والبغض ـ بنفسه يتّسع عند عدم تشخيص متعلّقه خلافاً لاُستاذنا الشهيد رحمه الله، وبهذا سيبطل ما جاء في المقدّمة الثانية أيضاً من تلك المقدّمات الثلاث، حيث أنّه رحمه الله ذكر في المقدّمة الثانية أنّه عند عدم تشخيص متعلّق غرضين لو لم يمكن الجمع بين تمام ما يتردّد بينها متعلّق أحد الغرضين وما يتردّد بينها متعلّق الغرض الآخر فسوف لا يقع التزاحم بين متعلّقات مجموعةِ أغراضٍ تابعةٍ للغرض الأوّل وبين
27
متعلّقات مجموعةِ أغراضٍ تابعةٍ للغرض الثاني، إذ لا توجد مجموعة أغراضٍ تابعةٍ لهذا ومجموعة أغراض تابعة لذاك حتّى يقع التزاحم بين متعلّقاتها، وإنّما يقع التزاحم بين التحرّك التكوينيّ أو التشريعيّ لضمان حفظ متعلّق أحد الغرضين وبين التحرّك التكوينيّ أو التشريعيّ لضمان حفظ متعلّق الغرض الآخر، وهذا مبنيّ على ما ذكره في المقدّمة الاُولى من أنّ الغرضين لا يتّسعان بنفسهما وإنّما يتّسع التحرّك نحو تحصيل متعلّقاتهما، فإذا أنكرنا ذلك وقلنا بأنّ نفس الغرضين يتّسعان فسيكون التزاحم بين امتثال مجموعة أغراضٍ تابعةٍ للغرض الأوّل وامتثال مجموعة أغراضٍ تابعةٍ للغرض الآخر، وبهذا تنهار المقدّمة الثانية أيضاً كما ذكرنا.
وأمّا التقريب الفنّي لنفي ما جاء في المقدّمة الاُولى فسنقتبسه ممّا جاء في هامش تقرير سماحة السيّد الحائري حفظه الله لبحث اُستاذنا الشهيد رحمه الله1
مباحث الاصول / الجزء الثاني من القسم الثاني / الطبعة الاولى / الصفحة: 54 ـ 56.
وهو يبتني على توضيح مقدّمة، وهي أنّ الحبّ تارةً يتعلّق بصورة ذهنيّة كلّيّة عن ذاتٍ من الذوات، وتارةً يتعلّق بصورةٍ ذهنيّةٍ كلّيّة عن فعلٍ من الأفعال، فإذا تعلّق بصورةٍ ذهنيّةٍ كلّيّة عن ذات من الذوات فلا إشكال ولا ريب في أنّه يسري من الصورة الذهنيّة الكلّيّة إلى الصورة الذهنيّة الجزئيّة من تلك الذات، فمن كان يحبّ كلّي الإنسان الكريم مثلاً واعتقد أنّ زيداً كريم فسوف يسري

  • مباحث الاصول / الجزء الثاني من القسم الثاني / الطبعة الاولى / الصفحة: 54 ـ 56.
28
حبّه إلى زيدٍ الكريم، وأمّا إذا تعلّق الحبّ بصورة ذهنيّة كلّيّة عن فعلٍ من الأفعال، فالصحيح أنّ هذا الحبّ سيسري أيضاً من الصورة الذهنيّة الكلّيّة لذلك الفعل إلى الصورة الذهنيّة الجزئيّة له، كما في الحالة الاُولى، فمن كان يجب إكرام الإنسان الكريم مثلاً واعتقد أنّ زيداً كريم فسيسري حبّه من كلّيّ إكرام الإنسان الكريم إلى إكرام زيدٍ الكريم، ولا يقال في باب حبّ الأفعال أنّه لا يسري حبّه إلى الفرد وإنّما حبّه الكلّيّ يحرّكه نحو الفرد بدون سراية الحبّ إلى الفرد، فكما أنّ الحبّ في باب الذوات يسري من الكلّيّ إلى الفرد فهو في باب الأفعال أيضاً كذلك، وهذا ما اعترف به استاذنا الشهيد رحمه الله في بحث اجتماع الأمر والنهي، حيث صرّح بأنّ الحبّ يسري من الجامع إلى الحصّة.
ولا شكّ أنّ ما ذكرناه من سراية الحبّ من الجامع إلى الفرد ـ سواء في باب الذوات أو في باب الأفعال ـ إنّما هو بواسطة انكشاف كون هذا الفرد من أفراد ذلك الكلّيّ، ولهذا لو أنّ أحداً اعتقد بأنّ هذا الفرد ليس كريماً فسوف لا يسري عند الحبّ من كلّيّ إكرام الكريم إلى هذا الفرد، وإن كان في الواقع كريماً، وهذا أيضاً بهذا المقدار واضح لا غبار عليه.
بعد توضيح هذه المقدّمة نقول: إنّه ما دام الحبّ يسري من الجامع إلى الفرد حتّى في باب الأفعال بواسطة الانكشاف فلابدّ من القول بأنّه متى ما لم يتمّ تشخيص متعلّق الحبّ وتردّد أمره بين عددٍ من الأفراد لزم سراية هذا الحبّ
29
إلى كلّ ذلك العدد من الأفراد، لوجود انكشاف احتمالي في كلّ واحد منها، ودعوى عدم سرايته كذلك ينبع عن إحدى دعويين وكلاهما باطل:
الدعوى الاُولى: أن يقال: إنّ انكشاف الفرد لابدّ وأن يكون مطابقاً للواقع حتّى يوجب سراية الحبّ من الجامع إلى الفرد، وبما أنّ الانكشاف الاحتماليّ الموجود بلحاظ الأفراد التي تردّد بينها متعلّق الحبّ ليس مطابقاً للواقع إلّا في واحدٍ من تلك الأفراد فسوف لا يسري الحبّ إلّا إلى ذلك الفرد الواقعيّ دون باقي الأفراد وهذا يعني عدم توسّع الحبّ إلى باقي الأفراد.
وهذه الدعوى واضحة البطلان، لما نجده وجداناً من أنّ من اعتقد تواجد محبوبه الكلّي في فرد معيّن فسيحب ذلك الفرد حتّى وإن كان اعتقاده باطلاً ولم يكن هذا في الحقيقة فرداً من محبوبه الكلّي. ولم يكتف السيّد الحائري حفظه الله هنا ببيان الوجدان، بل أبطل هذه الدعوى أيضاً بالبرهان، وحاصل البرهان هو أنّ نكتة سراية الحبّ عبارة عن اللحاظ التصوّريّ الأوّليّ الذي يوجب تخيّل اتّحاد المتعلّق بالذات الذهنيّ للحبّ مع المتعلّق بالعرض الخارجيّ له، وهذه النكتة جارية في مطلق الانكشاف سواء كان مطابقاً للواقع أو غير مطابق له.
الدعوى الثانية: أن يقال: إنّ الانكشاف الاحتمالي لا يكفي لسراية الحبّ من الجامع إلى الفرد، ولأجل سراية الحبّ من الجامع إلى الفرد لابدّ وأن يكون الانكشاف قطعيّاً، فإذا تردّد متعلّق الحبّ بين عدد من الأطراف فسوف لا
30
يسري هذا الحبّ إلى باقي الأفراد لأنّ الانكشاف الحاصل فيها ليس على مستوى القطع بل هو على مستوى الاحتمال، وفي مثل ذلك إنّما يتّسع التحرّك التكوينيّ أو التشريعيّ نحو تحصيل الغرض من دون توسّع الحبّ.
وهذه الدعوى أيضاً باطلة، وقد عبّر عنها السيّد الحائري حفظه الله بأنّها لا برهان على بطلانها ولكنّها على خلاف الوجدان، فإنّ الوجدان قاضٍ بأنّ الانكشاف الاحتماليّ لكون الشيء فرداً من الكلّيّ المحبوب يوجب حبّه بدرجةٍ أقلّ من حبّه له على فرض الانكشاف القطعيّ له، وممّا يؤيّد هذا الوجدان أنّ دعوى اشتراط كون انكشاف الفرد قطعيّاً حتّى يوجب سراية الحبّ إليه تستوجب عدم سراية الحبّ حتّى إلى الفرد الحقيقيّ لمتعلّق حبّه عند تردّده بين عدّة أفراد، فيبقى الحبّ متوقّفاً على الجامع ولا يسري إلى شيءٍ من الأفراد المردّد بينها نهائيّاً، ولعلّ هذا ما لا يقبل به حتّى استاذنا الشهيد رضوان الله تعالى عليه، والحاصل أنّ الوجدان قاضٍ بأنّ الحبّ هو الذي يوجب الاندفاع إلى كلّ فعلٍ من تلك الأفعال المتردّدة بمعنى أنّ الإنسان لا يندفع نحو كلّ فعلٍ معيّنٍ إلّا بسبب حبّه له لا بسبب حبّه المتوقّف على الجامع، ولو كان الحبّ متوقّفاً على الجامع لما اندفع نحو الأفراد.
فإذا بطلت كلتا هاتين الدعويين، لزم القول بسراية الحبّ من الجامع إلى جميع الأفراد التي يتردّد بينها الفرد الواقعيّ لمتعلّق حبّه، لوجود انكشاف احتمالي
31
في كلّ فرد من تلك الأفراد، وهذا يعني توسعة الحبّ عند عدم تشخيص متعلّقه لا توسعة التحرّك نحو تحصيله فحسب، وهذا يؤدّي إلى بطلان ما جاء في المقدّمة الاُولى من المقدّمات الثلاث التي بنى عليها استاذنا الشهيد رحمه الله نظريّته المعروفة بالتزاحم الحفظيّ، وببطلان المقدّمة الاُولى ستبطل المقدّمة الثانية أيضاً كما ذكرنا، وبذلك تنهار هذه النظريّة من أساسها.
دفاع السيّد الحائري عن اُستاذنا الشهيد:
ولكن سماحة السيّد الحائري حفظه الله تعالى حاول الدفاع عن استاذنا الشهيد رحمه الله بالردّ على هذه الملاحظة1
نفس المصدر / الصفحة 56.
بقوله: «إنّ هذه الملاحظة لو تمّت فهي لا تضرّ بصحّة الجمع الذي اختاره اُستاذنا الشهيد رحمه الله بين الحكم الظاهريّ والواقعيّ، وذلك لأنّ هذا الكلام إنّما يأتي في الأفعال المباشرة وفي الأحكام المولويّة حينما تكون على شكل القضيّة الخارجيّة ويكون أمر تشخيص المصداق بيد المولى والمولى يأمر بالمصاديق وفق تشخيصه، أمّا الحكم المولويّ الذي يكون على شكل القضيّة الحقيقيّة فهو يعني الحبّ والبغض القائمين على الجامع، أمّا ما يسري في نفس المولى إلى الصور الخارجيّة بسبب علمه بالانطباق أو تردّده في الانطباق فليس العبد مسؤولاً عنه، ولذا لو علم المولى خطأً بانطباق ما فيه الغرض على مصداقٍ، وعلم العبد بخطأ المولى، فعلى العبد أن يعمل وفق

  • نفس المصدر / الصفحة 56.
32
علمه هو، وهذا بخلاف الحكم الذي كان على شكل القضيّة الخارجيّة وأمر المولى فيه وفق تشخيصه، فعلى العبد عندئذٍ أن يعمل وفق تشخيص المولى وإن علم خطأه» ثمّ أضاف «هذا، والتردّد الذي هو محلّ الكلام إنّما هو تردّد العبد وليس تردّد المولى، ومن الواضح أنّ تردّد العبد لا علاقة له باتّساع دائرة حبّ المولى بلحاظ المصاديق، وإنّما له علاقة بإبراز المولى شدّة اهتمامه بغرضه إلى حدٍّ لا يرضى بفواته حتّى في هذه الحالة، وهذا روح جعل الاحتياط».
ولا أدري هل أنّ هذين المقطعين من كلام السيّد الحائري حفظه الله يشكّلان ـ في رأيه ـ جوابين مستقلّين عن الملاحظة التي ذكرناها على نظريّة (التزاحم الحفظيّ) لاُستاذنا الشهيد رحمه الله، أو أنّ المقطع الثاني تكميلٌ لنفس الجواب الذي قصده من المقطع الأوّل.
فلنغضّ النظر في البداية عن المقطع الثاني من كلام السيّد الحائري حفظه الله ونفترض أنّ المولى ليس عالماً بالغيب وهو الذي حصل له التردّد في مصداق ما تعلّق به حبّه، فما هو الفرق الذي قصده السيّد الحائري بين حالة كون حكم المولى صادراً على نحو القضيّة الحقيقيّة وحالة كون حكمه صادراً على نحو القضيّة الخارجيّة؟
فتارةً نفترض أنّه يقصد الفرق بين الحالتين بدعوى أنّه في الحالة الاُولى لا يسري حبّ المولى إلى الأفراد التي تردّد بينها المصداق الحقيقيّ لمحبوبه، وفي الحالة الثانية يسري حبّه إليها.
33
وتارةً نفترض أنّه يعترف بكون حبّ المولى في كلتا الحالتين يسري إلى الأفراد التي تردّد بينها المصداق الحقيقيّ لمحبوبه، وإنّما يفرّق بين الحالتين بأنّه في الحالة الاُولى يتمّ التزاحم الحفظي رغم سراية الحبّ إلى تلك الأفراد، وفي الحالة الثانية لا يتمّ التزاحم الحفظي، وذلك بسبب ما ذكره من أنّ أمر التشخيص في الحالة الاُولى بيد العبد وفي الحالة الثانية بيد المولى.
أمّا الفريضة الاُولى: فيرد عليها أنّ سراية حبّ المولى أو عدم سرايته إنّما هي في مرحلة مبادئ الحكم لا في مرحلة الجعل والإنشاء، ولا فرق في سراية الحبّ وعدم سرايته بين ما إذا أصدر الحكم الإنشائيّ على شكل القضيّة الحقيقيّة وما إذا أصدره على شكل القضيّة الخارجيّة.
وأمّا الفرضيّة الثانية: فهي تستبطن دعوى وجود أمرٍ بديلٍ عمّا ذكره اُستاذنا الشهيد رحمه الله في المقدّمة الاُولى من المقدّمات الثلاث لتصحيح نظريّة التزاحم الحفظيّ وهو كون الحكم صادراً على نحو القضيّة الحقيقيّة التي تستوجب كون أمر التشخيص بيد العبد لا بيد المولى فهذا يكفي لتصحيح نظريّة التزاحم الحفظيّ حتّى وإن كان حبّ المولى يسري إلى جميع الأفراد التي تردّد بينها المتعلّق الحقيقيّ لحبّه خلافاً لما جاء في المقدّمة الاُولى التي ذكرها اُستاذنا الشهيد رحمه الله من أنّ عدم تشخيص متعلّق الحبّ لا يوجب سراية الحبّ إلى الأفراد الاُخرى التي تردّد بينها متعلّق الحبّ، وهذا يعني إمكان الاستغناءعن
34
المقدّمة الاُولى التي ذكرها اُستاذنا الشهيد رحمه الله وذلك لتوفّر هذا البديل عادةً في الأحكام الشرعيّة لأنّ الأحكام الصادرة من قبل الله تعالى إنّما هي على شكل القضيّة الحقيقيّة بحسب العادة.
وهذا طبعاً غريب جدّاً وخارج قطعاً عن مراد استاذنا الشهيد رحمه الله في نظريّته المعروفة بالتزاحم الحفظيّ.
هذا بالإضافة إلى أنّه كيف يكتفي بما ذكره كبديل عمّا جاء في المقدّمة الاُولى من المقدّمات التي وضعها اُستاذنا الشهيد رحمه الله لتصحيح نظريّته، فلو سلّمنا أنّ إنشاء الحكم المولوي متى ما كان على شكل القضيّة الحقيقيّة أصبح أمر تشخيص المصاديق بيد العبد لا بيد المولى، ولكنّ المفروض أنّ حبّ المولى قد سرى إلى جميع الأفراد التي تردّد بينها المصداق الحقيقي لمحبوبه.
ففي مثل ذلك قد يقول السيّد الحائري بأنّ قيام العبد بفعل تمام أطراف الترديد ليس بدافع حبّ المولى، لأنّه كما أنّ التشخيص التعيينيّ من قبل المولى لمتعلّق حبّه لا اعتبار به في القضيّة الحقيقيّة وإن سرى حبّه إلى ما شخّصه، كذلك التشخيص المردّد من قبله لمتعلّق حبّه لا اعتبار به في القضيّة الحقيقيّة وإن سرى حبّه إلى الأفراد التي تردّد تشخيصه فيما بينها، فلا يكون قيام العبد بفعل تمام أطراف الترديد ناشئاً من توسّع حبّ المولى وإنّما يكون ناشئاً من توسّع التحرّك نحو المصداق الحقيقيّ بقطع النظر عن توسّع حبّ المولى له، وبهذا تتمّ النتيجة
35
المطلوبة مّما جاء في المقدّمة الاُولى من المقدّمات الثلاث التي وضعها اُستاذنا الشهيد رحمه الله بالرغم من سراية حبّ المولى إلى جميع الأفراد التي وقع فيها الترديد بحسب الفرض، وذلك لأنّه وإن كان حبّ المولى قد اتّسع ولكن قيام العبد بفعل تمام تلك الأفراد ليس تلبيةً لهذا الحبّ المتّسع لدى المولى فيما إذا كان المولى قد فوّض أمر التشخيص إلى العبد بمقتضى القضيّة الحقيقيّة، وإنّما قيام العبد بذلك يكون لأجل سعة تحرّك المولى نحو ضمان تحصيل المتعلّق الحقيقي لحبّه بقطع النظر عن توسّع حبّه، وهذا هو المطلوب من المقدّمة الاُولى.
ولكن هذا غير صحيح، لأنّ المولى حينما يفوّض أمر تشخيص المصاديق إلى العبد بمقتضى القضيّة الحقيقيّة يصبح العبد مسؤولاً عن تشخيص المصاديق على نحو التعيين أو الترديد، وكما لا يعتني العبد في مثل ذلك بتشخيص المولى وبالحبّ الذي يحصل له بهذا التشخيص، كذلك لا يعتني بسعة تحرّكه نحو متعلّق حبّه بقطع النظر عن حبّه له، وبعبارة أصحّ نقول: إنّ المولى ما دام فوّض أمر التشخيص إلى العبد بمقتضى القضيّة الحقيقيّة فقد فوّض أمر التحرّك نحو المصداق الحقيقيّ إلى العبد أيضاً، فلا يقوم هو بتحرّكٍ تشريعيٍّ نحو المصداق المطلوب. وعليه فكما أنّ قيام العبد بفعل تمام الأفراد التي تردّد المصداق الحقيقيّ فيما بينها ليس بدافعٍ عن توسّع حبّ المولى، كذلك ليس بدافعٍ من توسّع التحرّك التشريعيّ من قبل المولى، وإنّما هو بدافعٍ من تشخيصه هو لمتعلّق
36
حبّ المولى، فيصبح هذا التوسّع من نوع التوسّع في الفعل المباشر التكوينيّ لا في الأحكام المولويّة. وقد اعترف السيّد الحائري حفظه الله ـ في المقطع الأوّل من الكلام الذي نقلناه عنه ـ بأنّ الملاحظة التي ذكرناها على نظريّة التعويض ـ من ضرورة توسّع الحبّ عند تردّد المصداق وبالتالي سقوط المقدّمة الاُولى ثم الثانية من المقدّمات الثلاث ـ جارية في الأفعال المباشرة والأحكام المولويّة التي تكون على نحو القضيّة الخارجيّة، وإنّما حاول الدفاع عن اُستاذنا الشهيد رحمه الله في خصوص الأحكام المولويّة التي تكون على نحو القضيّة الحقيقيّة. فإذا انتهى أمر القضيّة الحقيقيّة أيضاً إلى الفعل المباشر للعبد الصادر منه بتشخيصه الخاصّ كما ذكرنا أصبح حال القضيّة الحقيقيّة كحال الفعل المباشر التكوينيّ الذي تتثبّت فيه الملاحظة المذكورة على نظريّة التزاحم الحفظيّ.
ثمّ إنّنا لو سلّمنا بأنّ الحكم المولويّ الصادر على نحو القضيّة الحقيقيّة سيكون قيام المكلّف فيه بتمام أطراف الترديد في المصداق بدافعٍ من توسّع التحرّك التشريعيّ نحو المصداق الحقيقيّ لا بدافع من حبّ المولى تجاه تلك الأفراد فلا تتمّ بذلك النتيجة المطلوبة لما جاء في المقدّمة الاُولى من المقدّمات الثلاث لأنّ النتيجة المطلوبة لابدّ وأن تظهر عند وقوع التزاحم ولجوء المولى إلى جعل حكم جديد يسمّى بالحكم الظاهري، لا قبل مرحلة التزاحم وصدور حكم ظاهريّ من قبل المولى، ونحن نجد أنّه بعد وقوع التزاحم بين توسّع فعل
37
العبد بصالح حكمٍ وتوسّع فعله بصالح حكم آخر سيسلب المولى ـ في كثير من الحالات ـ تفويضه لأمر تشخيص مصداق متعلّق حبّه من العبد بجعله للحكم الظاهري في إطار عنوان آخر غير العنوانين الذين كان قد صبّ الحكمين الواقعيّين عليهما.
فمثلاً لو كان قد صبّ الحكم الواقعيّ بالحرمة على عنوان الخمر، وصبّ الحكم الواقعيّ بالإباحة ـ الاقتضائيّة ـ على الخلّ، وقد فوّض أمر تشخيص كلّ منهما بحسب طبعه الأوّلي إلى العبد بمقتضى القضيّة الحقيقيّة في تشريع كلٍّ من الحكمين، ولكنّه عند اختلاط المصداقين في أفرادٍ عديدة ووقوع التزاحم في فعل العبد بين التوسّع اللازم بصالح هذا الحكم والتوسّع اللازم بصالح ذاك الحكم، قد تدخّل المولى بجعل الحجّيّة لما أخبر به الثقة مثلاً، وقد أخبر الثقة بخمريّة بعض تلك الأفراد المختطلة وخلّيّة بعضه الآخر مثلاً، فهذا يعني أنّه قد سلب من العبد ماكان قد فوّضه إليه من تشخيص مصاديق كلّ من الخمر والخلّ، وأمره باتّباع خبر الثقة في خصوص حالة وقوع الشكّ والترديد مع قيام خبر الثقة، ففي مثل ذلك ستفقد القضيّة الحقيقيّة الصادرة في كلّ من الخمر والخلّ قيمتها في إلقاء مسؤوليّة تشخيص المصاديق بعهدة المكلّف، ويصبح حال هذين الحكمين كحال القضيّة الخارجيّة
38
التي يكون أمر التشخيص فيها بعهدة المولى لا بعهدة العبد، وقد صرّح السيّد الحائري حفظه الله في مثل القضيّة الخارجيّة بصحّة الملاحظة التي ذكرناها على نظريّة التعويض وإنّما دافع عن اُستاذنا الشهيد رحمه الله في خصوص القضيّة الحقيقيّة، وفي مثل هذا المثال أصبح حال القضيّة الحقيقية كحال القضيّة الخارجيّة، كما وضّحنا.
هذا كلّه على فرض ما لو قطعنا النظر عمّا جاء في المقطع الثاني من الكلام الذي نقلناه عن السيّد الحائري حفظه الله، وافترضنا أنّ المولى غير عالمٍ بالغيب وقد حصل له الترديد في تشخيص متعلّق حبّه.
وأمّا ما جاء في المقطع الثاني من كلام السيّد الحائري حفظه الله، فهو وإن كان مجملاً من حيث أنّه حفظه الله هل اعتبره مكمّلاً لما جاء في المقطع الأوّل من كلامه، أو اعتبره جواباً مستقلّاً عن الملاحظة المذكورة في نظريّة التزاحم الحفظيّ، ولكنّه صالحٌ لاعتباره جواباً مستقلّاً عن ذلك بقطع النظر عمّا جاء في المقطع الأوّل من كلامه، وذلك بأن يكون المراد بهذا المقطع الثاني أنّنا لو أخذنا بعين الاعتبار كون الشارع تبارك وتعالى عالماً بالغيب ولا يحصل له التردّد في مصاديق متعلّق حبّه وبغضه، والتردّد الحاصل في ذلك إنّما هو من قبل العبد لا من قبل المولى، فهذا طريق جديد للتوصّل إلى النتيجة المطلوبة في المقدّمة الاُولى من المقدّمات الثلاث التي وضعها اُستاذنا الشهيد رحمه الله لنظريّته، وذلك بتقريب أنّ التردّد الحاصل للعبد لا علاقة له بحبّ المولى وبغضه ما دام هو عالماً بالغيب وليس له تردّد في معرفة المصداق الحقيقيّ لمتعلّق حبّه، وإنّما التردّد
39
الحاصل للعبد له علاقة بسعة دائرة تحرّك المولى التشريعيّ نحو متعلّق حبّه، وهذا يعني أنّ التردّد الحاصل للعبد لا يوجب سعة حبّ المولى وإنّما يوجب سعة تحرّكه التشريعيّ نحو متعلّق حبّه، وهذه هي النتيجة المطلوبة للمقدّمة الاُولى، من دون فرق في ذلك بين ما إذا كان الحكم صادراً على نحو القضيّة الحقيقيّة أو على نحو القضيّة الخارجيّة.
وهذا أيضاً غريب جدّاً كالمقطع الأوّل من كلامه، من حيث كونه موجباً للاستغناء عن المقدّمة الاُولى التي وضعها اُستاذنا الشهيد رحمه الله وبذلك يصبح بياناً جديداً للجمع بين الحكم الظاهري والواقعي غير ما قصده اُستاذنا الشهيد رحمه الله بنظريّة التزاحم الحفظي، وذلك لأنّ المقدّمة الاُولى التي وضعها اُستاذنا الشهيد رحمه الله تنصّ على أنّ صاحب الحبّ لا يتّسع حبّه بتردّده هو في مصداق متعلّق حبّه، وهذا البيان يقول أنّ الله تبارك وتعالى لا يحصل له التردّد أصلاً في متعلّق حبّه حتّى يقع الكلام في أنّه هل يوجب توسّع حبّه أو لا يوجب، بل الذي يحصل له التردّد إنّما هو العبد وهو لا يوسّع من حبّ المولى.
والظاهر أنّ اُستاذنا الشهيد رحمه الله بنى من حيث الأساس على أنّ الله تبارك وتعالى تعامل مع الناس في تشريعاته بحسب ذوقهم وتصوّراتهم، وافترض حاله كحالهم من حيث وقوع الشكّ والترديد له مثلاً كوقوعه للناس، ولهذا احتاج إلى المقدّمة الاُولى التي وضعها لنظريّته رضوان الله تعالى عليه.
40
هذا أوّلاً، وثانياً: ليس من الواضح ما جاء في هذا الكلام من عدم توسّع حبّ المولى بالتردّد الحاصل عند العبد في تشخيص متعلّق حبّه، ولعلّ الوجدان على خلافه، فإنّ المولى لو لم يضمن حصول الامتثال من عبده ـ على فرض كونه مطيعاً طبعاً ـ إلّا بقيامه بفعل جميع الأفراد المردّد بينها، فسوف يحبّ من عبده أن يقوم بذلك. وهذا لعلّه واضح في الموالي البشريّة على حدّ وضوح سراية الحبّ من ذي المقدّمة إلى المقدّمة، وسبق أن قلنا: إنّ اُستاذنا الشهيد رحمه الله يقيس إرادة الله تبارك وتعالى بالإرادات البشريّة في مثل مقدّمة الواجب وغيرها. وبهذا ينتهي ما أردنا عرضه من الملاحظات المتواضعة على نظريّة التزاحم الحفظيّ لاُستاذنا الشهيد رحمه الله.
41
نظريّة التزاحم الحفظيّ في ضوء تفسيرنا الجديد للأحكام الظاهريّة
وأمّا تقييمنا لهذه النظريّة في ضوء تفسيرنا الجديد للأحكام الظاهريّة، فهو ـ باختصار ـ أنّ نظريّة التزاحم الحفظيّ لا تناسب شيئاً من الوجوه الثلاثة التي ذكرناها لحلّ مشاكل الجمع بين الحكم الظاهريّ والواقعيّ في ضوء تفسيرنا الجديد لما يسمّى بالأحكام الظاهريّة، حيث اخترنا في تفسير تلك الأحكام أنّها نوعٌ من الأحكام الثانويّة، وأنّ الحكم الواقعيّ الأوّليّ يسقط وينتهي عند مجيء الحكم الثانويّ المستفاد من الأمارات أو الاُصول العمليّة، ولكنّ ملاك الحكم الأوّليّ يظلّ ثابتاً، كما هو كذلك في مثل الحكم الثانويّ الحاصل عند الاضطرار أو الإكراه أو ما شاكلهما من العناوين الثانويّة، ولهذا احتجنا إلى الجمع بين ما يسمّى بالحكم الظاهريّ وبين الحكم الواقعيّ الأوّليّ بحسب عالم الملاك، وذكرنا ثلاثة وجوهٍ لحلّ مشاكل الجمع بينهما بحسب عالم الملاك:
الأوّل: على أساس افتراض حصول التزاحم الملاكي عند انطباق العنوان الثانويّ، ويتقدّم الحكم الثانويّ على أساس أقوائيّة ملاكه، على شرحٍ وتفصيلٍ ماضيين.
والثاني: على أساس افتراض أنّ انطباق العنوان الثانويّ يصبح مانعاً عن إمكان استيفاء ملاك الحكم الأوّليّ رغم بقاء ملاكه ثابتاً، فيأتي الحكم الثانويّ
42
المناسب لحالة عدم إمكان استيفاء ملاك الحكم الأوّلي، على شرحٍ وتوضيح ماضيين أيضاً.
والثالث: على أساس افتراض انطباق فكرة (الاحتياط في مقام التشريع) على شرح وتوضيح ماضيين أيضاً.
أمّأ الوجه الأوّل والثاني فمن الواضح جدّاً عدم تناسب نظريّة التزاحم الحفظيّ لهما.
وأمّا الوجه الثالث فلابدّ فيه من توضيح الفرق بين فكرة (الاحتياط في مقام التشريع) وفكرة (نظريّة التزاحم الحفظيّ) لاُستاذنا الشهيد رحمه الله ليتّضح عدم تناسب هذه النظريّة لهذا الوجه الثالث أيضاً، ولعلّنا قد وضّحنا الفرق بينهما في الأبحاث الماضية، ولكنّا نحتاج الآن إلى توضيحه أيضاً ولو باختصار، فنقول:
إنّ هاتين الفكرتين (فكرة الاحتياط في مقام التشريع، وفكرة نظريّة التزاحم الحفظيّ) تشتركان في أنّ المولى يلجأ إلى واحد منهما عندما يختلط على العبد متعلّق ملاكين من الملاكات المهمّة عند المولى في دائرةٍ من دوائر الشكّ والترديد ولا يمكن للمولى تعيين متعلّق الملاكين للعبد أو توجد هناك بعض المصالح التي تمنعه عن ذلك، فيختار المولى أهمّ الملاكين بالحفظ ويعمّم حكمه على كلّ تلك الدائرة من الشكّ والترديد لأجل ضمان حفظه في تلك الدائرة وإن
43
كان يؤدّي ذلك إلى خسارة الملاك الآخر، هذا هو المقدار المشترك بين الفكرتين.
وأمّا الفرق بينهما فهو أنّ المولى تارةً يصدّر الحكم وفق الملاك الأقلّ أهمّيّةً عنده وإن كان متعلّقه مجهولاً عند العبد في حال الشكّ فيه ويحتفظ به إلى جنب الحكم الآخر الذي يعمّمه على كلّ تلك الدائرة من الشكّ والترديد لأجل ضمان حفظه، ويسمّى الأوّل بالحكم الواقعيّ ويسمّى الثاني بالحكم الظاهريّ، وهذه هي فكرة التزاحم الحفظيّ التي فسّر بها اُستاذنا الشهيد رحمه الله جميع الأحكام الظاهريّة وكانت لنا عدّة ملاحظات فيها.
وتارةً اُخرى يرفع المولى يده عن الحكم الموافق للملاك الأقلّ أهمّيّةً عنده، ويعمّم الحكم الواقعيّ المناسب للملاك الأهمّ على جميع المصاديق الموجودة في تلك الدائرة من الشكّ والترديد لأجل الاحتياط في حفظ ملاكه فيصبح الحكم الواقعيّ واسعاً وهو الحكم المناسب للملاك الأهمّ ولا يوجد إلى جنبه حكم آخر وفق الملاك الأقلّ أهمّيّةً، وهذه هي فكرة الحتياط في مقام التشريع التي جعلناها أساساً للوجه الثالث من الوجوه الثلاثة المعقولة لحلّ مشاكل الجمع بين الحكم الأوّليّ والثانويّ في عالم الملاك. وقد وردت فكرة الاحتياط في مقام التشريع في لسان اُستاذنا الشهيد رحمه الله في ذيل البحث عن آية النفر في بحث حجّيّة خبر الواحد.
وبهذا يظهر أنّ نظريّة التزاحم الحفظيّ لا يناسب جميع الوجوه الثلاثة
44
التي ذكرناها للجمع بين الأحكام الأوّليّة والأحكام الثانويّة بما فيها ما يسمّى بالأحكام الظاهريّة.
بل إنّ نظريّة التزاحم الحفظيّ تنافي ما اخترناه في تفسير الأحكام الظاهريّة لا أنّها لا تناسب وجوه الحلّ الثلاثة التي ذكرناها فحسب، وذلك لما ذكرناه من أنّ هذه النظريّة تقتضي الاحتفاظ بالحكم الواقعيّ إلى جنب الحكم الظاهريّ، في حين أنّ تفسيرنا الجديد للأحكام الظاهريّة يقتضي سقوط الحكم الواقعيّ عند الشكّ وتبدّله بحكمٍ واقعيّ آخر لكنّه من نوع الأحكام الثانويّة.
والحمد لله أوّلاً وآخراً وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.
45