أصول الفقه – يوم الأربعاء ٩ رجب ١٤٤٤

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمّد وآله الطيّبين والطاهرين.

قلنا إنّ صيغة الركن الرابع من أركان العلم الإجماليّ اختلفت في رأي الأصحاب. فبحسب رأي الميرزا النائيني رضوان الله تعالى عليه إنّه عبارة عن «عدم إمكان وقوع المخالفة القطعيّة على وجه مأذون فيه بجريان الأصول المؤمّنة في جميع الأطراف». وصياغة السيّد الخوئيّ رضوان الله تعالى عليه عبارة عن «عدم استلزام جريان الأصول المؤمّنة في جميع الأطراف إلى الترخيص القطعيّ في المخالفة الواقعيّة».

وقد وضّحنا الفرق بين هاتين الصيغتين وذكرنا أننّا في غنى عن هذا الاختلاف بينهما، وذلك لأنّا لا نرى أصلاً محذوراً عقليّاً في التأمين الشرعيّ عن المخالفة القطعيّة للعلم الإجماليّ، وهذا التأمين ممكن حتّى في الشبهة المحصورة، فكيف في الشبهة غير المحصورة؟ فإنّما المحذور [في جريان الأصول في جميع الأطراف] محذورٌ عقلائيّ بالارتكاز العقلائيّ الذي يمنع عن إطلاق أدلّة الأصول المؤمّنة.

فبما أنّ الارتكاز العقلائيّ يرى مناقضةً بين الحكم المعلوم بالإجمال وبين الترخيصات المؤمّنة في الأطراف – وإن كان هذان ليسا متناقضين عقلاً عندنا – فإطلاقات أدلّة الأصول المؤمّنة لا تشمل جميع الأطراف.

وهذا السبب لعدم جريان الأصول المؤمّنة في جميع الأطراف لا يجري في الشبهة غير المحصورة؛ لأنّه يكون حينئذ من المعقول أن تكون الأغراض الترخيصيّة الكثيرة أهمّ عند المولى من غرض الحكم [الإلزاميّ] المعلوم بالإجمال؛ لأنّ الأغراض الترخيصيّة كثيرة جدّاً في الشبهة غير المحصورة، فيتعقّل العقلاء ولا يتمّ عندهم الارتكاز بالمناقضة بين الأصول المؤمّنة وبين الحكم المعلوم بالإجمال، بل يرونه من الطبيعيّ، إمّا لعدم ارتكاز على المناقضة أو لوجود ارتكاز على عدم المناقضة.

وعلى هذا الأساس نقول بإمكان جريان الأصول المؤمّنة في جميع أطراف العلم الإجماليّ فيما إذا كانت الشبهة غير محصورة.

وأستاذنا الشهيد رضوان الله تعالى عليه يأتي ببعض مؤيّدات لهذه الفكرة، ومن جملتها رواية أبي الجارود التي جاء فيها قول أبي جعفر عليه الصلاة والسلام: «أَمِنْ أَجْلِ مَكَانٍ وَاحِدٍ يُجْعَلُ فِيهِ اَلْمَيْتَةُ حُرِّمَ فِي جَمِيعِ اَلْأَرَضِينَ؟»[1] بالنسبة إلى العلم الإجماليّ بنجاسة بعض مفردات الجبن بسبب العلم بجعل الميتة فيه. فبما أنّ أطراف هذا العلم الإجماليّ واسع جدّاً – وهو ما في الأرض جميعاً من الأجبان – فيقول: هل يكون معقولاً أن يمنع عن كلّ أجبان العالم لأجل مورد أو موردين فيهما علم إجماليّ بوجود الميتة؟ يعني أنّ الغرض الترخيصيّ في كلّ أجبان العالم يتغلّب على الغرض اللزوميّ المعلوم بالإجمال القليل. فالاستفهام في الرواية إنكاري.

فإنّ هذه الرواية وإن كانت ضعيفة السند لكنّها يمكن أن يستفاد منها بعنوان المؤيّد لرأينا لا بعنوان الدليل عليه.

هذا كلّه في الانحلال الحكميّ الحاصل بالأصول المؤمّنة في جميع أطرف العلم الإجماليّ في الشبهة غير المحصورة، وهناك دعوى آخر تقول بأنّه لا يحتاج إلى جريان الأصول المؤمّنة في أطراف العلم الإجماليّ في الشبهة غير المحصورة؛ لأنّ نفس سعة أطراف هذا العلم الإجماليّ بصورة غير محصورة كافية لانحلاله وسقوطه عن تنجيز وجوب الموافقة القطعيّة على المكلّف.

فكلّما اتّسع الأطراف فيه صار احتمال وجود المعلوم بالإجمال في كل طرف ضئيلاً بحيث يحصل اطمئنان في كلّ طرف بأنّه ليس هو المعلوم بالإجمال. فإنّ العلم الإجماليّ بوجود نجاسة في واحد من الأجبان الكثيرة ينقسم على عدد هذه الأجبان الكثيرة.

فإذا كان الأطراف آلافاً والمعلوم بالإجمال واحداً فهذا يعني احتمالاً واحداً من الآلاف بنجاسة الجبن الأوّل، واحتمالاً واحداً من الآلاف بنجاسة الثاني، واحتمالاً واحداً من الآلاف بنجاسة الثالث وهكذا.

وإذا كان الأطراف مليوناً، تكون احتمال نجاسة أيّ واحد من هذه الأجبان واحداً في المليون، لأنّه – بحساب الاحتمال – كلّما كان أطراف العلم الإجماليّ أكثر انقسم رقم العلم بالتساوي على عدد تلك الأطراف، فيصير احتمال نجاسة كلّ واحد منها احتمالاً ضئيلاً جدّاً، ويحصل في المقابل اطمئنان بعدم انطباق المعلوم بالإجمال على أيّ واحد من الأطراف. وبناءً على حجّيّة الاطمئنان – سواء كانت حجّيّته تعبّديةً ببيان أنّ السيرة العقلائيّة جرت على العمل الاطمئنان وأنّ الشارع لم يردع عنه، فبعدم ردع الشارع نعرف أنّه جعل الاطمئنان حجّةً، أو ببيان أنّه يبلغ حدّاً تكون حجّةً ذاتاً كحجّيّة القطع ذاتاً، يعني أنّه للشارع تبارك وتعالى حقّ الطاعة عقلاً في العمل بهذا الاطمئنان، كما يقال في العلم – [سيكون للمكلّف حجّة في ارتكاب أيّ واحد من الأطراف].

فهذا بيان جديد لسقوط منجّزيّة العلم الإجماليّ عن تنجيز وجوب الموافقة القطعيّة وهو لا يحتاج إلى جريان الأصول المؤمنّة كما ذكر، بل الاطمئنان تكفي في سقوطه عن تنجيزه للموافقة القطعيّة.

ولكن هناك شبهة في التمسّك بهذه الاطمئنانات أثارها المحقّق العراقيّ رضوان الله تعالى عليه، وهي تقول: إنّ هذه الاطمئنانات – بأنّ المعلوم بالإجمال ليس في هذا وليس في ذاك وهكذا إلى المئات والآلاف والمليون – عندما يُنظر إليها من حيث المجموع يشكّل اطمئناناً على نحو السالبة الكلّيّة بأنّ المعلوم بالإجمال ليس فيها جميعاً، وهو يناقض الموجبة الجزئيّة (المعلوم بالإجمال)، وتعرفون في المنطق بأنّ نقيض السالبة الكلّيّة، الموجبة الجزئيّة، فمثلاً: نقيض عدم وجود إنسان في الدار كالسالبة الكلّية، وجود إنسان واحد.

فلو لاحظنا هذه الاطمئنانات من حيث المجموع لتولّد لدينا اطمئنان على نحو السالبة الكلّيّة، وهو الاطمئنان بعدم وجود المعلوم بالإجمال في هذه الأطراف كلّها، وهذا نقيض علمنا الإجماليّ، فكيف تحصل الاطمئنانات المناقضة لعلمنا الإجماليّ، وهو ليس معقولاً!

وأجاب عنها المحقّق العراقيّ رضوان الله تعالى عليه بأنّ هذه الاطمئنانات تكون على نحو البدل لا الاطمئنانات بها كلّها [حتّى يستنتج منها الاطمئنان على وجه السالبة الكلّيّة].

ولكنّ هذا الجواب (المستفاد من ظاهر كلامه، إلّا أن نؤوّل مراده) غير تامّ؛ لأنّنا بالوجدان نرى بأنّ هذه الاطمئنانات فعليّةٌ وليست تقديريّةً على نحو البدل، ففي كلّ واحد من الأطراف يوجد اطمئناناً فعليّاً بالوجدان.

إذن فللوصول إلى الجواب الصحيح على هذه الشبهة لا بدّ من البحث أوّلاً في أصل حصول هذا الاطمئنان أو عدمه، والبحث ثانياً في حجّيّة هذه الاطمئنانات، فيكون البحث في المقامين.

أمّا البحث في المقام الأوّل:

فهل يحصل عقلاً اطمئنان بعدم ثبوت المعلوم بالإجمال في شيء من هذه الأطراف أو لا؟

فيجاب أوّلاً بالنقض بأنّ كلّاً من «الاطمئنان» أو «الظنّ» أو «الاحتمال المساوي الطرفين» أو «الاحتمال الضعيف» يناقض العلم الإجماليّ. فكما لا يمكن الجمع بين القطع على وجه الموجبة الجزئيّة وبين الاطمئنان على وجه السالبة الكلّيّة، لا يمكن الجمع بين القطع على وجه الموجبة الجزئيّة والاحتمال على وجه السالبة الكلّيّة وكذا الظنّ على وجه السالبة الكلّيّة.

فماذا يقول من ينكر الاطمئنان بهذا السبب؟ أيقول باحتمال ذلك؟ فهو أيضاً مناقض للموجبة الجزئيّة.

وعليه فلنبحث عن أنّه هل يتولّد من هذه الاطمئنانات اطمئنان أو ظنّ أو احتمال بعدم ثبوت المعلوم بالإجمال في هذه الأطراف جميعا أو لا؟

والحمد لله ربّ العالمين.


[1] وسائل الشيعة: 25/119، كتاب الأطعمة والأشربة، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 5.       http://noo.rs/CvPnl